أحمد مصطفى المراغي

122

تفسير المراغي

إجماعيا لا تردد فيه على إلقائه في غيابة الجب ، نفذوا ذلك وحينئذ أوحينا إليه وحيا إلهاميا تطييبا لقلبه وتثبيتا لنفسه : لا تحزن مما أنت فيه ، فإن لك من ذلك فرجا ، ومخرجا حسنا ، وسينصرك اللّه عليهم ، ويرفع درجتك ، وستخبرهم بما صنعوا وهم لا يشعرون بأنك يوسف . وفي هذا إيماء إلى أنه سيخلص من هذه المحنة ويصيرون تحت سلطانه وقهره . ( وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ . قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ) أي جاءوه وقت العشاء حين خالط سواد الليل بياض النهار - حال كونهم يبكون ليقنعوه بما يريدون قائلين له : إنا ذهبنا من موضع اجتماعنا نتسابق ونترامى بالنبال ، وتركنا يوسف عند ثيابنا وأزوادنا ليحفظها ، إذ لا يستطيع مجاراتنا في استباقنا الذي يرهق القوى فأكله الذئب ، إذ بعدنا عنه ولم نسمع استغاثته ولا صراخه ، ونحن نعلم أنك لا تصدقنا ولو كنا عندك صادقين ، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك ؟ ولك العذر في هذا لغرابة ما وقع ، وعجيب ما اتفق لنا في ذلك الأمر . ( وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ) أي إنهم جاءوا بقميصه ملطّخا ظاهره بدم غير دم يوسف ، وهم يدّعون أنه دمه ، ليشهد بصدقهم ، فكان دليلا على كذبهم ، ومن ثم قال : ( عَلى قَمِيصِهِ ) ليستبين للقارئ والسامع أنه موضوع وضعا متكلّفا ، إذ لو كان من افتراس الذئب لتمزّق القميص ، وتغلغل الدم في كل قطعة منه ، ومن أجل هذا كله لم يصدقهم وقال : هيهات ، ليس الأمر كما تدعون ، بل سهلت لكم أنفسكم الأمّارة بالسوء أمرا نكرا وزيّنته في قلوبكم فطوعته لكم حتى اقترفتموه ، وسأصبر صبرا جميلا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه حتى يفرّجه اللّه بعونه ولطفه ، وإني أستعين به على أن يكفيني شر ما تصفون من الكذب .